جمال العبيد
بعض المدن المغربية تستحق عن جدارة لقب مدينة المتناقضات، وهذا اللقب طبعا لا يدخل ضمن ما يسمى بالأحكام المبنية على العواطف والإنفعالات، ولكن هناك العديد من الأدلة التي يستمد منها اللقب مشروعيته. وعلى سبيل المثال، هناك مدن مغربية تعرف سنويا تنظيم مهرجانات ثقافية وفنية، لكن لا وجود في أرض الواقع لأي شيء يؤكد أحقية تلك المدن في احتضان تلك المهرجانات، وهذا طبعا ما يجعلنا نشك في وجود أهداف أخرى غير الأهداف المعلن عنها من وراء تنظيم تلك المهرجانات.
مدينة زاكورة من بين المدن المغربية التي تشهد سنويا ومنذ عشر سنوات، تنظيم مهرجان سينمائي دولي تحت عنوان “المهرجان الدولي للفيلم عبر الصحراء” الذي يعرف مشاركة العديد من الأسماء الفنية اللامعة وطنيا ودوليا. وأُسدل الستار مؤخرا عن الدورة العاشرة من مهرجان زاكورة السينمائي دون أن يتجرأ أحد من اللجنة المنظمة، على الإجابة عن السؤال الذي يطرحه العديد من الفاعلين السياسيين والحقوقيين بمدينة زاكورة خلال الأيام التي يستغرقها المهرجان والسؤال هو: كيف يعقل أن يُنظم مهرجان سينمائي بمدينة زاكورة التي لا تتوفر على أية قاعة سينمائية؟!
بعض الحقوقيين بالمدينة وصل بهم الأمر خلال العديد من الدورات السابقة للمهرجان إلى تنظيم وقفات احتجاجية عبروا فيها عن رفضهم للمهرجان الذي لا يعبر ،في نظرهم، عن واقع التهميش الذي تتخبط فيه المدينة، والمتمثل خصوصا في الغياب التام للمرافق العمومية بالمدينة، وعلى رأسها القاعات السينمائية ونوادي الموسيقى والمسارح والملاعب الرياضية.
لتفادي مشكل افتقار المدينة للقاعات السينمائية، تلجأ اللجنة المنظمة إلى عرض الأفلام خلال أيام المهرجان في دار الثقافة، وهذا ما يجعل أنشطة المهرجان مقتصرة فقط على القلة المحظوظة بالمدينة، أما الأغلبية الساحقة من المواطنين الزاكوريين فلا تعلم بمهرجان “الفيلم عبر الصحراء” إلا من خلال قنوات الإعلام العمومي، التي ينسجم المهرجان مع خطها التحريري المؤسس على مقولة “المغرب أجمل بلد في العالم”.
قمة التناقض أن تشهد مدينة زاكورة تنظيم مهرجان سينمائي وهي لا تتوفر على قاعة سينمائية يلجأ إليها المواطنون من حين لآخر للترويح عن أنفسهم، وقمة التناقض أيضا أن تُصرف مبالغ مالية ضخمة على فعاليات المهرجان، في الوقت الذي مازالت فيه نساء مدينة زاكورة تفضلن الولادة في “الدار” على الذهاب إلى مستشفى “الدراق” الإقليمي بالمدينة الذي يساوي “مقبرة” على حد تعبير الزاكوريين، وذلك راجع إلى نساء عديدات غادرن إلى دار البقاء أثناء الوضع بقسم الولادة بالمستشفى الإقليمي المذكور.