أحمد بعيز
حينما تحاول أن تجرب لعبة سؤال المفاضلة بين شيئين مع مواطن سلاوي بسيط على هذا النحو: هل تفضل استعمال وسيلة نقل “سرية” أم
قانونية” للاتحاق بعملك أو قضاء مصلحة او حاجة من حاجياتك الملحة والضرورية، في العاصمة الرباط أو مختلف المدن والقرى المغربية؟ قبل أن تتلقى الجواب تحس فورا انك كمن يسال ممتهني لعبة الموت بالمسدسات لدى “الكاوبوي” الامريكي، التي تحبس أنفاس المتتبع لمشهد المواجهة الرهيب، بين المتنافسين وتنتظر من منهما الأسرع، والأكثر دقة في التصويب على الهدف البشري؟!
طالبو خدمة “النقل السري” أو “الخطافة” خصوصا من النساء المتزوجات والفتيات، يدركون جيدا المخاطر التي تتهدهم، لتطال حتى حياتهم وسلامتهم البدنية والمعنوية وشرفهم، من طرف نصابين ومحتالين ومجرمين، ولجوا “مهنة” النقل السري، مستعدون لايقاع الالم والشر بمن ينال ثقتهم ويطلب خدماتهم تلبية لحاجة ملحة، تحت ضغط عاملي الوقت والسرعة في الانجاز وسعر الخدمة.
كل مَن سالناهم السؤال القاسي أعلاه أجابوا بدون عناء تفكير، أنهم مجبرون على اللجوء لخدمات “الخطافة” أمام أزمة النقل، وعجز أسطول النقل الحضري والطرقي الرسمي، عن إيجاد الحلول لهذه الازمة الخانقة، التي تهدد العمال والمستخدمين والموظفين، وعموم الناس بفقدان عملهم وضياع مصالحهم خصوصا في ساعات الذروة.
مدينة سلا تصنف “كدورتوار” للرباط أو مكان للنوم لاغير، بالنسبة للموظفين وغيرهم، ممن يزاول مهنة من المهن في عاصمة المملكة، ولذلك فإن العدد البشري، الذي يعبر قنطرة الحسن الثاني وقنطرة الفداء وقنطرة سلا الجديدة يوميا، يجاوز بكثير عدد سكان سلا الذي يفوق عتبة المليون نسمة بالآف.
واستطاعت شركات السيارت الجديدة والابناك، عبر القروض، أن تجيب عن بعض المشاكل اليومية، ومعاناة الفئات المصنفة ضمن الطبقة الوسطى، من خلال اقتنائها لسيارات خاصة “يالتريتات” لتفادي الانتظار والتعب، وأحيانا التحرش الجنسي بالنسبة للنساء، في حافلات “ستاريو” والاحتكاك الجسدي في “الطاكسي الكبير”.
فتنامي عدد السيارات الشخصية ووسائل نقل الموظفين، ينتج عنه مشكل عويص ومعقد، إنه الاكتظاظ الطرقي في ساعات الذروة، خصوصا أن القطاعات الحكومية المعنية، لم تواكب هذا التطور، على مستوى البينية التحتية، من طرقات وقناطر ومسالك.. وعلى مستوى أسطول النقل حضريا كان أم بين المدن.
هنا بررزت الحاجة الملحة لخدمات “الخطافة” أو النقل “السري” وركوب المخاطر المرتبطة به، مع احتمال الاضرار الناتجة عن ذلك بالنسبة للمواطن أولا والمهنيين ثانيا، علما أن “النقل السري أصبح علنيا بقلب العاصمة الرباط، وأمام أنظار نساء ورجال الأمن، وتحول من حالة محدودة إلى ظاهرة قارة ومُعاشة.
ورغم أن “الخطافة” يلبون حاجة قائمة، عليها طلب متنامي، ولها زبناؤها ومنشطوها والمستفيدون منها، سرا وعلانية، فإنها لاتحظى بالاعتراف القانوني، ولكن تتعايش معها كافة الأطراف وتتأدى منها في نفس الوقت، بمن فيهم ممتهنو النقل غير النظامي.
فالنشاط السري يضع صاحبه مباشرة، تحت طائلة الإدانة، لأن “الخطف” لغة بالدارجة أو الفصحى، تعني اللصوصية والسرقة، ويتحول الناقل السري إلى لص والزبون إلى شىء مُختطف أو مسروق.
حين بادرنا بسؤال ناقلين غير نظاميين (خطافة) عن المهنة التي يزاولونها أجابوا فورا: “تنسرق أوتنخطف لبلايص”. على هدي هذا المفهوم، الذي
يتقبله الجميع تتحدد العلاقة بين “الخطاف” وكافة المعنيين بهذه الظاهرة، التي ابتدأت أولا بلجوء موظفين مدنيين وعسكريين وعمال صغار، اقتنوا سيارة مستعملة، ينقلون بواسطتها الناس بين سلا والرباط، أو بين سلا والمدن والقرى المجاورة، للاستعانة بمداخيلها على كلفة البنزين، ثم تحولت فيما بعد إلى مهنة إضافية، قبل أن يلجأ إليها المتقاعدون، ثم فئات أخرى، مع اشتداد أزمتي البطالة والنقل الحضري والطرقي، فأصبحت حرفة قائمة الذات، تمارس علانية وليس سرا، وبوسائل نقل مختلفة من سيارات سياحية أو عائلية، أو “التريبورتر” أو العربات التي تجرها الخيول، لتدخل فيما بعد سيارات النقل الجماعي الكبيرة الحمولة الى دائرة الاشتغال، وتتسع لعدد يفوق احيانا حافلات النقل الطرقي ذات الحجم المتوسط.
ومع اشتداد أزمة النقل بسلا والرباط، ورغم دخول التراموي الميدان، فإن الطلب أصبح متصاعدا على “الخطافة” وذلك رغم تحسيس الناس باجتناب اللجوء لخدمات “الخطافة” للأخطار المتربصة بهم، مع بروز ظاهرة خطف النساء والفتيات و”الكريساج” بواسطة النقل السري، كحالة خطف شرطية على طريق بوقنادل و محاولة اغتصابها رفقة ابنها، بالإضافة الى عشرات الامثلة التي تبقى طي الكتمان مخافة تشتيت الأسر، كما وقع بحي “الواد الخانز” بمقاطعة العيايدة الشهر المنصرم.
ويبقى المواطن طالب خدمات النقل “السري” الأكثر تهديدا ومصادرة لحقوقه كالحق في التعويض عن التأمين، عند تعرضه لحادثة سير مثلا او تجريده من ممتلكاته، أو الاغتصاب بالنسبة للنساء، وهي أكثر الحالات شيوعا بين مستعملي النقل غير النظامي، الذي يرفضه كل طرف معني به بما فيها العمالة، وقسمها الاقتصادي والاجتماعي المشرف على القطاع، والأمن والدرك والقوات المساعدة “والسربيس ديمين” رغم أن بسطاء موظفي هذه القطاعات أنفسهم يلجأون رغما عنهم، لركوب ناقلات “الخطافة” بل إن بعضهم يمارس النقل السري! إضافة إلى باقي الأطراف المتدخلة، والمعنية كشركة التراموي وستاريو وحافلات النقل الطرقي، والمهنيين ونقاباتهم وجمعياتهم و”لامين” والمحتسب..
وتنظم المنطقة الأمنية رفقة مسؤولي القسم الاقتصادي والاجتماعي، كما أفادنا موظف بالقسم المذكور، حملات مشتركة لإيقاف “الخطافة” ومحاربتهم، غير أن المسؤول النقابي أوضح أن تلك الحملات لا تتم إلا خارج ساعات الذروة لأنها تلبي حاجة اجتماعية قائمة.
ةكأن مصلحة الأمن ومسؤولو عمالة سلا، يتبنون المقاربة التنسقية والوظيفية لعلماء السياسة والاجتماع الأمركيين ك”ألموند” و”باول” و”دافييد أستون” ومفادها أن أي ظاهرة تلبي حاجة قائمة، فهي ضرورية، وإن كانت غير مشروعة قانونيا.
ويسمح الأمنيون بسلا لنقابات الطاكسيات بتشكيل دوريات أمنية لاعتراض وحصار أو ملاحقة “الخطافة”.. دوريات تُمول من طرف أصحاب الطاكسيات ومن مساهامات المحترفين العاملين بالمدينة، وتنتج عن تلك التدخلات “الأمنية” التي تكون أحيانا عنيفة، مشاكل قانونية تُعرض على أنظار القضاء.
استطاع أصحاب الطاكسيات، على خطوط “سيدي موسى” و “اشماعو” والأحياء التي ترتبط بها، ومدينة الرباط والقنيطرة، بمساعدة رجال الأمن الذين يسرعون في الحضور إلى مكان الحصار.. استطاعوا تطهير المنطقة من “الخطافة” من أصحاب العربات الحديثة، غير أن دراجات “التريبورتر” ما زالت “تنشط” النقل السري.
وبالنسبة لبعض المسؤولين بعمالة سلا، فإنهم يرون “أنه آن الأوان للتفكير جديا في تنظيم تلك الظاهرة على شكل ظاهرة الباعة المتجولين، وأن تتحمل كافة
الأطراف مسؤولياتها، بما فيها وزارة الداخلية والإدارة العامة للأمن الوطني والدرك الملكي والقوات المساعدة ووزارة النقل والتجهيز واللوجيستيك، وأطراف أخرى، سواء بتقوية وتحديث أسطول النقل الحضري والطرقي، والإسراع بمد القناطر على نهر سبو، وشق الطرقات محليا، لتخفيف الضغط على الشبكة الحالية التي تخلق خدمات النقل السري وتسرعها، وترفع الطلب عليها”.
النقل السري “يشكل مخاطر حقيقية، تتهدد المواطن السلاوي وغيره لاسيما النساء، وتلحق أضرارا مالية واجتماعية، بمهنيي القطاع المرخص لهم، مقابل تأدية واجبات عدة، وتحمل المسؤولية عن أي ضرر يقع للزبون أوضياع منقولاته، وهو ما لا يتحمله “الخطاف” الذي لا يتوفر على رخصة ثقة، ويستعمل ناقلة قد تتسع لأكثر من 30 راكبا، مع شيوع تقليد الطاكسيات الكبار، مثل استعمال مرسيديس 240 أو 250 المستعملة من طرف الحرفيين، حيث يقع الزبون في لُبس، وتوجه الاتهامات لحاملي رخص الثقة” يفيد مسؤول جمعوي بالقطاع.