يرى بعضهم أن أوضاع المغرب وظر
محمد بوبكري
وفه تختلف كثيرا عن نظيرتها في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولذلك فهو لم – ولن – يعرف ما عرفته هذه البلدان من أحداث وفتن وهزّات وتحولات سياسية مأساوية، ما جعله يشكل استثناء في المنطقة…
يبدو لي أنه لا ينبغي تصديق هذه المقولة لأنها مجرد وهم يسعى إلى لعب دور المُسَكِّن الخادع، ذلك أنَّ أوضاعنا لا تختلف جوهريا عن أوضاع تلك البلدان، لأن الأسباب والدوافع التي كانت وراء الانهيارات والتحولات التي عرفتها الشعوب الآنفة، هي نفسها قائمة في بلادنا، بل منها ما هو موجود يقبعُ تحت السطح لا غير، وبالتالي فالفرق بيننا وبينها يبقى نسبيا وضئيلا جدا، إنه فرقٌ فقط في الدرجة لا في النوع ولا في الجوهر.
تتشابه بلادنا مع تلك البلدان في توفر كلتيهما على العوامل نفسها المؤدية إلى الهزّات، ويتمثل التشابه الجوهري بينهما في انفراد فئة قليلة بالسلطة، وما يترتب عن ذلك من سيطرة على مؤسسات الدولة وتحكُّم في مقدّرات البلاد، وهذا أمر من الصعب المجادلة فيه. كما أن هذه الفئة هي وحدها من يضع الاختيارات الأساسية التي تهم حاضر البلاد ومستقبلها داخليا وخارجيا، وهي التي تتخذ القرارات السياسية والاقتصادية الكبيرة التي تهم المجتمع والتي من المفترض أن تكون ضمن صلاحيات الشعب وآليات الرقابة التي يقرّرها.
كما أن التشابه بين بلدنا وتلك البلدان ليس فقط تشابها في طبيعة الأنظمة، ولا هو تشابه سوسيولوجي وديمغرافي فحسب، وإنما هو أيضا تشابه ثقافي، حيث تطغى النزعات الطائفية والقَبَلِية على بنيتهما العميقة. زد على ذلك أن بينهما شَبَه في المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تخنق أنفاسهما.
علاوة على ذلك، لقد أحدثت الثورة المعلوماتية تغييرا معرفيا لدى شبابهما، حيث مكّنت شبيبة المغرب ونظيرتها في المنطقة المذكورة من الانفتاح على ما يجري في عالم اليوم المُعَولَم، حيث صار اليَافِعُ قادرا على مقارنة أحواله وأحوال بلاده والتخلف والظلم الذي فيها مع أحوال بلدان العالم التي هي في مستواها من حيث الإمكانيات الاقتصادية، لكن تجاربها السياسية تشير إلى نجاحاتها وتفوقها، مقارنة ببلده، على صعيد الحرية والديمقراطية والانفتاح والعدالة الاجتماعية والتنمية.
كما تعاني بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الهوة العميقة التي تفصل شبابها عن السلطة التي تمارس عليه سلطويتها، وتنهض على بنيات تقليدية لا علاقة لها بزمنهم، ما يجعلهم يشعرون بالإحباط والخجل من أوضاعهم وأوضاع بلادهم مقارنة مع ما يجري في بلدان أخرى.
إننا نعيش في زمن الثورة المعلوماتية الذي تحكمه قواعد وقوانين وسياسات مختلفة تماما عما كان معمولا به من قبل، وإذا ما تم تجاهل التحولات الجارية في المفاهيم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي ما يطرأ على المزاج النفسي والاجتماعي للمجتمعات من تحولات، فسيؤدي ذلك إلى استمرار العيش في عالم الأوهام.
لذلك، ينبغي قراءة التغيّرات التي تطرأ على المزاج النفسي للمجتمع، وعدم التصادم معه، وفهم التحولات الكبرى في العالم، وتأثيراتها المختلفة، ومعرفة كيفية الاستفادة من تجارب الآخرين من أجل النهوض بالمجتمع وتأمينه من المخاطر، ومُجابَهة التحديات التي تواجهه.
يقول المدافعون عن كون المغرب يشكل “استثناء”: إن بلادنا تتوفر على هامش كبير من الحرية، وإن الاستقرار فيها هو أفضل منه في البلدان الأخرى التي عرفت هزّات وفتن وانهيارات”. يمكن قبول ذلك، لكن هذا الكلام وما يتصل به من فروقات بين المغرب وتلك البلدان، لا يشمل ما هو جذري وجوهري، بل إنه يبقى في مستوى السطح ولا يمس العمق، ما لا يسمح ببناء فكرة استمرار بلادنا على حالها على أساس مُقنع ومتين.
لذا، ينبغي علينا ألا نستمر في خداع أنفسنا بالاعتقاد أن “أوضاعنا تختلف” عن أوضاع الآخرين، وأننا نشكل “استثناء”. كما يجب التوقف عن الإمعان في تبنّي السياسة الأمنية للحفاظ على بنيات مؤسسية وأوضاع لا تساير روح العصر. وإذا كانت موجة الهزّات قد توقفت الآن فهذا لا يعني أن التاريخ قد انتهى، وأن مسلسل التغيير قد بلغ مُنتهاه، بل إن توقف تلك الرَّجَّات قد يكونُ مؤقتا، إذ قد تُعاود الاندلاع مرارا إذا لم يتم الشروع في الإصلاح.
إن التحولات المحلية والعالمية، لم تعد تترك أمام بلادنا خيارات كثيرة، إذ عليها، إذا أرادت أن تُجنِّب نفسها ما حدث في تلك البلدان، أن تعمل على أن تقيم تدريجيا، وبشكل هادئ وحضاري، نظاما ملكيا برلمانيا لكونه يشكل التغيير الحقيقي الذي يقود البلاد إلى الاستقرار لأنه يمكِّننا من بناء دولة القانون.
وهذا ما يقتضي الانخراط في التحديث والبناء الديمقراطي للدولة والمجتمع في آن. وبدون ذلك لن نستطيع إقامة ملكية برلمانية، لأنه لن تكون هناك أحزاب فعلية قادرة على تأطير المجتمع وإرساء التعددية الفكرية والسياسية الحقيقية التي تعد شرطا أساسا لوجود الملكية البرلمانية.
يتشبث بعضهم بأن تكون لنا ملكية تنفيذية مدّعين أن اقتصارها على بعدها الرمزي وحده سيضعفها. يبدو لي أن هؤلاء لا يدركون أن ما هو رمزي يتعارض، من حيث طبيعته، مع ما هو تنفيذي، كما أن الأول أقوى بكثير من الثاني. وللتدليل على ما نقول فإن السلطة الرمزية للملكة “إليزابيث” تتجاوز بكثير السلطة التنفيذية للوزير الأول البريطاني، بل إن سلطتها الرمزية تخترق الأزمنة وتكاد تشمل البلدان الغربية بأكملها، الأمر الذي لا تمتلكه سلطة الوزير الأول. أضف إلى ذلك أن المتأمل في التاريخ يدرك أن للرموز أثر كبير في حياة البشرية وتوجهاتها.
يمكن للمُسَكنَّات أن تخمد نار التغيير مؤقتا، لكن جذوتها ستظل مُتَّقِدة تحت السطح، إذ إن مصدرها هو الرغبة في الحرية والحداثة الديمقراطية، وهذا يصعب استئصاله من عقل المجتمع ووجدانه وأحلامه وضميره.
فوق ذلك، عندما ننظر إلى ما يجري في المشهد السياسي العالمي، نجد أن الدول التي تنعدم فيها الحرية والديمقراطية هي التي تعيش الأزمات السياسية والاقتصادية وما ينجم عنها من اضطرابات اجتماعية، ما يجعلها تعاني الأمرَّين جرَّاء غياب الاستقرار السياسي والاجتماعي. أما الدول الديمقراطية التي تحترم حقوق مواطنيها وتصونها، وتعمل على تعميق فرص مشاركة مختلف فئات المجتمع في الحياة العامة، فتعيش حياة آمنة ومستقرة…