آخر الأخبار

أخبار دولية

حوادث

آراء حرة

الأحد، 8 ديسمبر 2013

طبقات المجتمع


محمد الشودري

هل تتقارب الطبقات، وهل تتذاوب ؟

الجواب: نعم.

والجواب: لا.

وهو يتوقف على معنى الطبقة، فللطبقة معنيان :

معنى الطبقة الأول، إنها شريحة من الناس مغلقة، لاسيما إن كانت عالية في جدول قيم
المجتمع، فهي لا تأذن لمن دونها بأن يدخلها. جواز داخلها، الأرومة السابقة، ومع
الأرومة المال المذخور. وبين أعضائها الحس بالبعد عما حولها، واختلاف “اللون” الذي
يكاد يكون اختلاف نوع، واختلاف معيشة، واختلاف مصالح تقوم بينها وبين ما حولها من
شرائح من بني الناس.

مجتمع فيه هذه الطبقات، بهذا المعنى، مجتمع به الطبقات كطبقات الأرض التي يحدثنا
عنها علم الجيولوجيا، بعضها فوق بعض، يثقل عاليها على سافلها، لا تأذن لصاعد أن
يصعد، ولا لهابط أن يهبط.

مجتمع بهذا المعنى، لا يمكن بعد اليوم أن يكون فيه سلام ولا دوام، إنه التخاصم،
وإنه التناحر، وإنها الغلبة تكون آخر الأمر للقوم الأكثرين.

ومعنى الطبقة الثاني، إن أعمال الحياة، لا أشخاص الناس، مراتب، بعضها فوق بعض، يصعد
إليها الصاعد بعمله. جواز دخولها التأهل لها. يدخلها ذو الأرومة الوضيعة، وكذلك ذو
الأرومة الرفيعة، ما تأهلا لها. ومن أمثلتها المهن المتعددة. منها فئة أهل القانون
من قضاة ومحامين. وإن شئت قلت طبقة. وإن شئت قلت مرتبة. ومنها فئة الأطباء. ومنها
فئة الممرضين والممرضات. ومنها فئة المدرسين. ومنها الجند. ومنها قادة الجند، ومنها
زراع الأرض، ومنها الصناع المهرة. ومنها الصناع نصف المهرة. ومنها العمال حافرو
الأرض. ومنها سعاة البريد، ومنها الكتاب.ومنها العلماء والتقنيون. ومنها رؤساء
الدول. تعددت الأعمال وتصنفت، وكل عمال يعملون.

ألف مرتبة ومرتبة، كلها مراتب مفتوحة. ليس على بابها حارس، إلا حارس الكفاية.

وهي مراتب لاشك غير متكافئة. غير متكافئة في التحضير. غير متكافئة في الجهد للوصول.
وإذن فغير متكافئة في الأجور. وهذه صورة من المجتمع تنسجم مع معنى الآية
الكريمة:”وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا”.

وللمراتب العليا ما تجنيه بكدها، وللعبقرية – وهي تنفع الناس – الثواب العظيم. ولكن
للمراتب الدنيا ما يفي بحياة الإنسان الكريمة.

فطبقات المستقبل أحسبها مراتب للناس، يسكنها ساكنوها، ولكن لا ليخلدوا فيها وتخلد
ذراريهم، وجاز أن تخلد، لو أنهم درجوا على سنة الآباء كفاية. مراتب وجوه رجالها في
هذا الجيل هي في كثيرها غير وجوه رجال جيل يأتي ونسائه. مراتب بعضها فوق بعض، وهي
أفقية، ولكن بها الحركة الرأسية لا تفتأ قائمة : غزو من المراتب السفلى إلى العليا،
وتدهور من العليا إلى السفلى.

وتظل الحياة كفاحا.

ولكنه كفاح جهود وكفاية.

وتظل الرحمة التي دعت إليها الأديان موجودة، لأن ضحايا الكفاية سيظلون كثيرين.

ويقودني هذا إلى معنى المساواة.

والمساواة معنى جميل، ولكنه عزيز في هذا الوجود.

لو أن الإنسان نشأ على غيرهذا الكوكب، تنبت أرضه من ذات نفسها الطعام، ويتفجر من
آبارها العسل الشهد، وتمطر سماؤه الألبان، لكان معنى المساواة بين إنسان وإنسان في
حيز الإمكان.

ولكن بما أن الإنسان إنما يجني من ثمرات هذا الكوكب ما يجني بالذي يبذل من مجهود،
وبما أن هذا المجهود يثمر بمقدار ما عند الإنسان من كفاية، وبما أن الله تعالى وهب
الكفاية للناس درجات متفاوتات، إذن لم يكن بد من اختلاف الناس في أنصبتهم من هذه
الحياة.

ولكن الكفاية موهوبة  ومكسوبة.

والكفاية الموهوبة من عند الله.

والكفاية المكسوبة من عند البشر. من عند المجتمع.

والمجتمع يستطيع أن يزيد في الكفاية المكسوبة للناس بالتعليم والتدريب، وبالتثقيف
بشتى صنوفه، ثم بإتاحة الفرص لكل إنسان عند كل خطوة من خطوات الحياة.

إنها مساواة في التعليم إذن، مجانا في كل درجاته.

وإنها مساواة في الفرص أيضا، مفتحة أبوابها لكل جدير بها.

مساواتان إثنتان، لا تمنع منهما أرومة رفيعة أو خفيضة، ولا مال، قل أو كثر، هما
جديرتان بتفتيت كل تلك الطبقات الجامدة جمود صخور الأرض وطبقاتها.

وتذهب الطبقات الجامدة جمود الحجر، وتحل محلها المراتب، مختلفة الأنواع والأصناف:
منازل على سلم الحياة، ألف، تختلف قيمة وعددا، بمقدار ما تختلف حظوظ الناس من جهود
في معركة الحياة مبذولة، ومن كفايات موهوبة وأخرى مكسوبة.

إنه سلم يصعده الناس فرادى، لا جماعات تجمعها أواصر أرحام، أو روابط أموال، تماما
كما يصعد الصاعد يلقى ربه بعد الحياة الدنيا.



حركة دائبة، صاعدة بين المراتب هابطة، لا احتكار لأحد فيها.

على أن اختلاف المراتب لا يجعل منها ما منزلته السماء السابعة، ومنها ما منزلته
الأرض السابعة، لو أنه كان هناك أرض سابعة حقا.

ولكن الذي أريد أن أقوله، أن تنشئة طبيب، أو مهندس، أو مدرس، لا تكاد تزيد كلفة،
ولا تكاد تزيد جهدا، عن تنشئة رجل صانع ماهر.

والمهنة قد تفرق، ولكن الثقافة تجمع.

وتجميع الثقافة يخلق الألفة، وبها يزول ما قد يكون بين المراتب من جفاء، هو جفاء
الغريب يلقى الغريب، يلتقيان وليس بينهما من جفاء غير ريبة الغربة.

ومستقبل الدنيا، كما يتراءى اليوم، ليس مستقبل طبقات تجمد عليها وتتوارثها طوائف
وجماعات، ولكنه مستقبل يتساوى فيه الناس، فرادى، بادئين، ويتبارون ويتباينون في
الحياة عاملين، فمنهم سابق، ومنهم لاحق.“من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها”.

والله الموفق 29/11/2013
 
جميع الحقوق محفوظة © 2016 شبكة رصد أونلاين