ليس من قبيل الصدف أن يحلّ حزب الميزان بترسانته الحزبية، إلى عاصمة الكيف كتامة ليعقد جمعه العام الإقليمي في أحضان هذه النبتة والبرد القارس
والصقيع المنهمر على جبال الريف المشاكسة.. حزب الاستقلال الذي جعل من هذه النبتة موضوع مزايدات سياسية منذ الاستقلال الأعرج، إلى آخر جمع عام إقليمي على مستوى إقليم الحسيمة.
فكلّما أراد الأمناء العامّون المتناوبون على هذا الحزب استعراض عضلاتهم يقصدون هذه المنطقة، متحزّمين بجلباب صوفي مخزني يقيهم شرّ البرد وعيون الحسّاد، فالجلابيب المخزنية صُنعت للوقاية من البرد وطرد عيون السوء والحسد.. اللّهم لا حسد. وآخر أمين عام وليس الأخير تحمّل عناء السفر إلى هذه المنطقة المقصيّة من التنمية (تنمية الإنسان والمجال) كان الأمين العام الحالي، شباط ” بوجبهة ” الخبير في شؤون التجارة بهذه النبتة والتجارة بالأصوات الانتخابية.
فكلّ الذين تحملّوا عناء السفر إلى عاصمة الكيف، لم يزوروها حبّا في سواد عيون ساكنة هذه المنطقة بل لمعرفتهم المسبقّة بحساسية موضوع ” النبتة “، والرّقص على حبلها برع فيه هذا الحزب منذ وجدت هذه النبتة على هذه البقعة من الأرض بالريف المغربي.
حزب الاستقلال حاضر بقوّة في هذه المنطقة، المنطقة الوحيدة في الريف التي يسيطر عليها هذا الحزب منذ “الاحتقلال” إلى الآن، والفضل يعود طبعا إلى هذه النبتة المقدّسة، فهو الحزب الوحيد في المغرب الذي يدافع عن استمرار زراعة هذه النبتة بشكل عشوائي وغير قانوني، ويدفع في اتجّاه إغراق هذه المنطقة في اللاّقانون وتشجيع منطق العصابات ونسج علاقات متشعّبة مع ملاكي الأراضي الجدد، ومافيا الاتجّار المحترف في هذه النبتة، مع الحفاظ على مصالحه السياسية والمالية على الأرض، فالمتاجرة بالسياسة والمخدرات هما متلازمتان ومرتبطتان ببعضهما البعض، لا يمكن للأولى العيش بدون الثانية.
فكلّ الحملات السياسية تموّل من جيوب أباطرة مخدرّات لهم علاقات وطيدة مع هذا الحزب فضلا عن وجود أباطرة من داخل الحزب نفسه يجمعون بين ممارسة السياسة وممارسة هواية الاتجار في هذه النبتة.
الإبقاء على الوضع كما هو في جبال الريف التي تنتج مادة الكيف هو إقصاء لآلاف من الشباب من الدراسة والتعلم والحياة الكريمة، ووضعهم تحت الحراسة النظرية في مجال جغرافي ضيّق بين الجبال القاسية، للمناداة عليهم في كلّ مناسبة انتخابية للإدلاء بأصواتهم ومن ثم العودة إلى حياتهم البئيسة، في انتظار المناداة عليهم مرّة أخرى ومرّات ومرّات..
ما يعيشه شباب هذه المناطق لا يمكن تخيلّه مطلقا، هم وحدهم يكتوون بنار ذلك الواقع الظالم الذي أنتجته سياسة حزبية بئيسة بؤس أصحابها وسياسة مخزنية متوحّشة تشكّل الغطاء العام لكلّ ما يحدث بالمنطقة، فحزب الاستقلال في آخر المطاف يخدم مصالح المخزن الشريف ويقوّي استمراره وانتفاخه…
فيما مضى كان الاستقلال هو اللاعب الوحيد في منطقة صناعة ” الكيف ” طبعا مع وجود غطاء عام يتمثل في ” القصر “، فلا يمكن اللّعب بحريّة، فأذرع القصر تتحكّم في كل شيء، وعينه على الجميع، ولسان حاله يقول، مسموح اللّعب ولكن في حدود طولك ومقامك، ويبقى القصر هو اللاعب الأوّل..
أمّا الآن فقد دخل طرف ثان إلى هذه اللعبة وأصبح ينافس الاستقلال في هذه اللعبة السياسية والمالية القذرة، إنه حزب الأصالة والمعاصرة الذي رفع شعار “تقنين نبتة الكيف الوطنية ” في تناقض صارخ مع مواقف حزب الميزان في هذا الموضوع.
ورغم نفوذ حزب الاستقلال وتغلغله في مناطق إنتاج النبتة المقدّسة، فإن “البام” شقّ طريقا رغم وعورة البيئة الجغرافية، نحو صناعة موطئ قدم له في المنطقة التي اعتُبرت تاريخيا إحدى حصون حزب الاستقلال، رغم تناقض مواقفهما فيما يخص التعاطي مع هذه النبتة، فإن أساليب عملهم واشتغالهم على الملف هي نفسها، منطق ابتزاز جيوب الفلاحين، ودعم ملاكي الأراضي الجدد وحماية وتحصين أباطرة المخدرات من أبناء المنطقة، وافتعال متابعات قضائية في حقّ آخرين مِن مَن يرفضون الانصياع لأوامر الحزب الأول أو الثاني.
وتبقى النتيجة هي استمرار نفس السياسة وإنتاج نفس الظروف القديمة، الآلاف من المتابعات القضائية في حق الشباب العاطل الذي لم يجد أمامه سوى العمل في هذه النبتة، وبالتالي محاصرة هؤلاء الشباب في هذه الجبال واستخدامهم في احتياجات انتخابية وحزبية..
يوم أمس الأربعاء 4 دجنبر 2013 قفز حزب الأصالة والمعاصرة على كلّ المشاكل التي تعيشها ساكنة المنطقة وعقد نقاشا عموميا داخل البرلمان، حول تقنين نبتة الكيف، هذا النقاش الذي جاء ليغطّي على المشاكل الحقيقية لبنات وأبناء هذه المناطق، و التحرّك لم يأت من فراغ بل وراء الأكمّة ما وراءها، ويبدو أن عرّاب فكرة تقنين نبتة “الكيف” شكيب الخياري هو من كلّف بالتنسيق لهذه الفكرة بإيعاز من البام ومن المخزن الشريف، لملء الفراغ السياسي المؤقت وجلب انتباه الرأي العام.
هي إذن مزايدات سياسية لإضفاء نوع من المغالطات، لضمان مزيد من الأصوات الانتخابية وتقسيم الأدوار بين حزبين، بين مدافع ومعارض، ويبقى الرابح الأكبر هم الملاّكون الجدد وأباطرة السياسة والمخدرات، أما اليد العاملة والفلاحون الصغار فهم بمثابة العشب الذي تتناطح فوقه الفيلة.