حاتم العزوزي
قبل سنة ونصف، حينما كان محمد مرسي قد حسم سباق الرئاسيات المصرية، انتظر الجميع كيف سيتصرف أول اسلامي وصل الى سدة الحكم بصناديق الاقتراع في العالم العربي (حتى نستثني
الاسلامي السوداني الانقلابي محمد البشير ) في مواجهة التطبيع السياسي الواسع الذي ترسخ مع الجار الاسرائلي، طيلة سنين حكم المخلوع حسني مبارك، وكيف سيتعاطى مع اتفاقية كامب ديفيد، خصوصا أن الخطاب السياسي لجماعة الاخوان التي ينتمي اليها الرئيس “مرسي” كان معارضا بشدة للتطبيع، ويطالب بالتنصل من اتفاق كامب ديفيد، بل ويزايد بالحشد الجماهيري في ملتقياته بنية (استعراضية) لتحرير القدس وفلسطين (عالقدس رايحين شهداء بالملايين)…
لا شيء من هذا حدث فالسياسة الخارجية لم تتأثر مطلقا بالمعطى الثوري الجديد، ولا نزلت الحشود لتضغط على ساكن قصر الاتحادية حينذاك، لتحقيق التعهدات والتهديدات القديمة تجاه اسرائيل (مثلما كانت تفعل خلال شهور الفترة الانتقالية التي تولاها المجلس العسكري للضغط لطرد السفير الاسرائيلي في ميادين مصر، وقبلها حين كانت تحول صلوات الجمعة في جامع الازهر وساحات الجامعات الى مظاهرات اسبوعية ضد التطبيع) .. فالعلاقات مع إسرائيل استمرت تحت عهدة تكنوقراطي من المدرسة القديمة، ولم تنكث المعاهدة الى غاية انقلاب الجيش على مرسي، بعد استكمال عام فقط من ولايته.
مناسبة هذا الكلام هو مبادرة بعض الاحزاب السياسية المغربية، في موضوع محاربة التطبيع، حين طرحت بشكل متسرع قانونا في البرلمان لتجريم كل أشكال التطبيع مع إسرائيل، دون أن تحسب حسابا أو تبني خطوتها على دراسة في التأثير السياسي المباشر على الأمن القومي المغربي، ومصالحه السياسية الخارجية، وهو البلد الذي لا يتوقف، بسبب ملف استكمال وحدته الترابية، عن مطاردة الدعم الخارجي أينما كان، ويسعى لاستمالة اللوبيات القوية لمصلحة مقاربته لقضية الصحراء المغربية في عواصم التأثير العالمي، التي يعتبر ضمنها، كما هو معروف، اللوبي اليهودي بأنه أقواها، وأكثرها نفوذا دون منازع.
هكذا، بعد هجمة الاعلام الاسرائيلي التي كانت منتظرة، ضد مشروع تجريم التطبيع، أتى رد الفعل الأقوى على الخطوة الحزبية، من المركز الذائع الصيت، في مطاردة النازيين والحفاظ على ذاكرة الهولوكوست (سيمون ويزنتال) الذي وجه رئيسه (شيمون سامييلز).. رسالة قوية هدد فيها المغرب، بأنه في حالة المصادقة على القانون بتبعات اقتصادية تهم حصر الاستثمار وتحريض الدول المؤثرة ضد مصالحه، وتصعيد الموضوع على مستوى مجلس اوروبا المناهض العنصرية، والمنظمة الأوروبية للأمن والتعاون، في أفق حرمان المغرب من وضعه المتقدم مع الاتحاد الاروبي..
هولاندا المحسوبة على الأخير (الاتحاد الأوروبي) لم تقف مكتوفة الأيدي بل طالبت عبر وزير خارجيتها، في تدخل بالبرلمان الهولندي، العاهل المغربي والحكومة العمل على عدم اعتماد القانون، وعبر عن قلقه حياله، والموقف نفسه صدر عن لوبي “الإيباك” النافذ جدا بالولايات المتحدة، وكذا عن الكتلة التي تجمع البرلمانيين من اصل يهودي في البرلمان الاوروبي والذي لايخفى على أحد ارتباط مصالح المغرب الاقتصادية والسياسية بنقاشاته وقراراته.
فيما ذهبت وسائل إعلام أوروبية بعيدا حين وصفت المشروع بالقانون المعادي للسامية !!!..
وطبعا، وكما كان منتظرا، فمشروع “تجريم التطبيع” لم يذهب بعيدا بل نقلت الصحافة المحلية المغربية، هذه الايام أنباء من داخل مكتب مجلس النواب، أفادت تجميده، لكن بعد أن فضح العبث وتغليب الشعبوية، في الأداء الحزبي المغربي على أي تقييم سليم، يراعي حسابات الربح والخسارة حين طرح مثل هكذا مشاريع قوانين عابرة للحدود، يكون ضررها على المصالح العليا للبلد موجعا بشكل لايمكن أن يتحمله دون ثمن قاصم، خصوصا وان اللوبي اليهودي اصبح يلمح إلى مقايضة القانون المثير للجدل بقضية الصحراء، فهل من الحكمة المراهنة بالقضية الوطنية الأولى للانتصار لقضية العرب الأولى!!