كثيرا ما نسمع عن الحالة الكارثية التي تتخبط فيها المستشفيات العمومية بالمغرب، وكثيرا ما نعاين صورا عن مرضى فارقوا الحياة جراء الإهمال واللامبالاة، وعن نسوة وضعن مواليدهن في مداخل المستشفيات، وغالبا ما نسمع أن "للي ساخطين عليه والديه هو من ينتهي إلى خدمات هذا المرفق العمومي"، دلالة على سوء العناية والاهتمام داخله حيث يتحول المريض إلى مجرد رقم يخضع لمنطق المساومة وقاعدة "دهن السير يسير"، ولعل هذا ما دفع الكثيرين إلى وصف هذه المستشفيات بالمقابر.. الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود.
الاقتراب من مآسي هذه الشريحة ونقل مشاهد مسرحية درامية أبطالها آدميون أقعدهم المرض وعلى جبينهم كتب الفقر والعوز بسطور بارزة.. توجهنا إلى كل من مستشفى مولاي يوسف بالدار البيضاء، مستشفى الحسني، المستشفى الجامعي إبن رشد، تقمصنا أدوارا مختلفة وتسللنا إلى بعض الأقسام وجالسنا المرضى في قاعة الانتظار حيث لا حديث إلا عن معاناة المرض وعدم الرضا عن الوضع الصحي الذي لا يسر لا عدوا ولا حبيبا.
طول الانتظار وسوء المعاملة
بعد أن تناهت إلى أسماعنا الخروقات والاختلالات التي يعرفها مستشفى الحسني الكائن بمنطقة الحي الحسني، وما يلاقيه المرضى من تسويف وابتزاز أحيانا، ورغبة منا في تقصي الحقائق توجهنا إلى هذا المستشفى، ولجنا مرافقه متسللين إلى قسم الولادة، قسم الجراحة العامة، ثم قسم المستعجلات، وعاينا الاكتظاظ الذي تعج به أقسام هذا المستشفى، والرائحة النتنة التي تنبعث من جنباته وأشباه الأحياء من المرضى ممدين هنا وهناك في انتظار أن تمتد إليهم يد الرحمة لتخلصهم من عذابهم ومعاناتهم، بعد أن تحولت قاعات الانتظار إلى جلسات نسائية يتبادلن فيها أطراف الحديث كل واحدة منهن تحكي عن مشاكلها وهمومها اليومية، هروبا من الإحساس بالضجر والملل وهن ينتظرن دورهن، خاصة وأن هناك طبيبا واحدا يقوم بمعاينة الجميع، في تلك الأثناء صادفنا ربيع وهو شاب في 21 من عمره، يبدو ناقما على الوضع، يحمل في يده ملفا طبيا، وبعد أن أتعبه الانتظار شرع يصرخ في وجه "سيكوريتي" :"خليني نشوف هاد الطبيب مي كتموت والفرمليات كيضحكوا والطبيب ماكينش هنا".. اقتربنا في صمت من الشاب استفسرناه عن وضعه ليومئ لنا في إشارة إلى أمه التي تقتعد كرسيا متحركا وقد علا الشحوب وجهها، يضيف" تعاني أمي من مرض السكري وتتعرض لنوبات متكررة من الغيبوبة مصحوبة بالقيء وألم حاد في البطن، البارحة لم نر النوم، فقد كانت والدتي تتلوى من الألم، أحضرناها إلى قسم المستعجلات، انتظرنا كثيرا، قبل أن يتم حقنها بإبرة مهدئة ليقولوا لي أعدها صباحا، لكن هانتوما كتشوفو حتى واحد مداها فينا، واش هادي هي الإنسانية.."
ومن الإهمال ما قتل...
في قسم آخر تابع لنفس المستشفى، ترقد امرأة في عقدها الرابع ملفوفة في بطانية، ترتعد فرائصها من الألم وتصدر عنها آهات يتفطر لها القلب، بينما تربت إحدى قريباتها على كتفيها لمواساتها وحثها على التحمل، استفسرنا قريبتها عنها فقالت إنها أجهضت جنينا بعد شجار حاد بينها وبين زوجها حيث دفعها باتجاه الدرج قبل أن تتحول الأسطح إلى بحيرة دماء، وتفقد المرأة وعيها ولا تستعيدها إلا بعد أن أعطيتها مشروبا من الزعتر للتخفيف من ألمها ولازلنا بانتظار دورنا حتى يفحص الطبيب حالتها.
قسم الولادة هو الآخر لم يسلم من هذا الوضع، حيث الفوضى والاكتظاظ ومنطق المساومة هو السائد حتى لا تتعرض المرأة الحامل لبطش "السطاجيرات" وتفقد حياتها أو حياة جنينها، وفي هذا السياق تروي حكيمة 27 سنة تجربتها المريرة مع الولادة في هذا المستشفى، والتي كلفتها فقدان أحد توأميها بسبب التهاون وغياب الرعاية والاهتمام تقول " مرت فترة حملي بشكل طبيعي أجريت خلالها كل الفحوصات والصور الإشعاعية اللازمة، لكن حينما دقت ساعة ولادة بدأت تتقاذفني أيدي الممرضات، لأفاجئ بإحدى الطبيبات تخبرني بضرورة إجراء عملية قيصرية لأن الجنين في وضعية غير صحية، لم يكن بيدي حيلة فأسلمت أمري لها، أنجبت طفلة تم إدخالها إلى حاضنة الأطفال الزجاجية، بينما ولد التوأم الثاني والذي كان ذكرا ميتا، وقد عانيت خلال الفترة التي قضيتها في المستشفى من سوء المعاملة وقلة النظافة، فالممرضات لا يلقين بالا للأمهات حديثات الولادة، ويزداد الأمر سوءا حينما يحل الليل إذ تغططن في نوم عميق غير آبهات لحالة المرضى، كانت تلك الأيام التي قضيتها في المستشفى بمثابة كابوس مزعج تعلمت منه درسا مهما أنني أبدا ماعدت لأكرر تجربة الولادة في مستشفى عمومي.
وفي نفس الإطار يحكي حسن 33 سنة قصته في هذا المستشفى قائلا: " لأنني أدرى بخروب بلادي، فقد جئت مستعدا سلفا " للتدويرة" أحضرت زوجتي بعد أن جاءها المخاض، رفضوا في البداية استقبالها بحجة الاكتظاظ وعدم كفاية الأسرة وأمام إلحاحي الشديد، تمكنت من إقناع إحدى الممرضات، وبينما كنت أتحدث إليها كانت تومئ إلي قائلة :" إيوا الله يتهلا في الجميع"، بسرعة أخرجت مبلغا ماليت من جيبي، وسلمتها إياه لتستودعني قائلة: "كون هاني كلشي غادي يدوز مزيان".. ورغم أن زوجتي ولدت "بالغرازي وتعذبات" ولكن الحمد لله حالتها أحسن من أخريات تعرضن لنزيف أو فقدن جنينهن".
عاينا حالات كثيرة من النساء حديثات الولادة وسط رواج وازدحام هذا القسم ووسط رائحة تزكم الأنفاس وأبواب ونوافذ مفتوحة..حيث الصحة في آخر الترتيب.
في الجانب الآخر وبالضبط في قسم المستعجلات حركة دؤوبة وطابور من المرضى، وغيرهم يقفون وراء إحدى الصناديق، هم آخر يؤرق المرضى الذين يقصدون المستشفيات العمومية، يتجلى في المقابل المادي الذي يؤدونه ثمنا لعلاجهم رغم قلة ذات يدهم.
قمنا بتأريخ كل هذه الحالات بالصور، قصد المساهمة ولو بأقلامنا في تغيير هذا الواقع وضمان أن ينعم المواطن بحقه كاملا في التطبيب دون مساومة أو تأجيل ، لكن مصير هذه الصور كان هو الإقبار بعد أن تم إيقافنا من طرف الحارس العام للمستشفى ونحن في الطريق إلى مغادرة المستشفى، حيث تعالت أصوات مرضى بعد أن ملوا الانتظار و منهم من أخبر بتأجيل موعد الفحص، هذا الحارس أقام الدنيا ولم يقعدها، مطالبا بحضور رجال الأمن، بعد أن منعنا من التحرك محيطا إيانا بثلاثة حراس من الأمن الخاص بالمستشفى إحاطة الدملج بمعصم اليد، استدعى مدير المستشفى وبعض الممرضات اللواتي لم يجدن غير " علاش كتصوري، شكون أنت"، ليتوجه إلينا المدير قائلا: "لماذا لم تقوموا باستشارتي وقد كنت على استعداد أن أوافيكم بكل المعطيات حيث " حنا ماعندنا ما يتخبى "، حوالي الساعة 11.30 ظهرا حضر شرطيان إلى عين المكان، باشر أحدهما عملية تشبه الاستنطاق "سميت أمك، سميت باك، فين كتسكني..." وبعد أن ملأ ورقة بيضاء بما تيسر من المعلومات، وبعد اتصال أجراه مدير المستشفى بمندوب الصحة على حد قوله ، طلب الشرطي من الحارس العام أن يدلي بشهادته، لكن التردد كان باديا على هذا الأخير، في طريقنا إلى الدائرة 15 التابعة لولاية أمن الحي الحسني، قام الضابط بسلبنا آلة التصوير والهاتف الخاص ومسح جميع الصور وأقبرها بمساعدة صديق له يعمل في مختبر التصوير تكلف بالـتأكد من عدم وجود هذه الصور.
قمنا بتأريخ كل هذه الحالات بالصور، قصد المساهمة ولو بأقلامنا في تغيير هذا الواقع وضمان أن ينعم المواطن بحقه كاملا في التطبيب دون مساومة أو تأجيل ، لكن مصير هذه الصور كان هو الإقبار بعد أن تم إيقافنا من طرف الحارس العام للمستشفى ونحن في الطريق إلى مغادرة المستشفى، حيث تعالت أصوات مرضى بعد أن ملوا الانتظار و منهم من أخبر بتأجيل موعد الفحص، هذا الحارس أقام الدنيا ولم يقعدها، مطالبا بحضور رجال الأمن، بعد أن منعنا من التحرك محيطا إيانا بثلاثة حراس من الأمن الخاص بالمستشفى إحاطة الدملج بمعصم اليد، استدعى مدير المستشفى وبعض الممرضات اللواتي لم يجدن غير " علاش كتصوري، شكون أنت"، ليتوجه إلينا المدير قائلا: "لماذا لم تقوموا باستشارتي وقد كنت على استعداد أن أوافيكم بكل المعطيات حيث " حنا ماعندنا ما يتخبى "، حوالي الساعة 11.30 ظهرا حضر شرطيان إلى عين المكان، باشر أحدهما عملية تشبه الاستنطاق "سميت أمك، سميت باك، فين كتسكني..." وبعد أن ملأ ورقة بيضاء بما تيسر من المعلومات، وبعد اتصال أجراه مدير المستشفى بمندوب الصحة على حد قوله ، طلب الشرطي من الحارس العام أن يدلي بشهادته، لكن التردد كان باديا على هذا الأخير، في طريقنا إلى الدائرة 15 التابعة لولاية أمن الحي الحسني، قام الضابط بسلبنا آلة التصوير والهاتف الخاص ومسح جميع الصور وأقبرها بمساعدة صديق له يعمل في مختبر التصوير تكلف بالـتأكد من عدم وجود هذه الصور.
كان الغرض هو إقبار الحقيقة وجعلها حبيسة جدران المستشفى، حقيقة وواقع يتكرر في جل المستشفيات العمومية، مع تفاوتات بسيطة، فها هو المستشفى الجامعي إبن رشد أحد أكبر المستشفيات في العاصمة الاقتصادية يشهد هو الآخر حالة من الفوضى والإهمال، إذ رغم التحسن النسبي الذي عرفه على مستوى المرافق وبعض التجهيزات، واستحداث أقسام أخرى إضافية لتعميم العلاج،ورغم المجهودات التي قامت بها الدولة لتلميع صورتها إلا أنه كما يقول المثل الشعبي :" حوته وحدة كتخنز شواري"، فهذا الأخير لا يخلو من نماذج سوء المعاملة وعدم الاكتراث بالمرضى بل حتى سوء توجيههم خاصة أن منهم من يتوافدون عليه من مدن ومناطق بعيدة.
كلشي في السبيطار بالوجهيات
"المسكين مايتعالجش .. آش دار لينا هاد بن كيران؟..نموتو حنايا" طلقة مدوية أطلقتها سعيدة 45 سنة بعد أن تعبت من تأجيل موعد ابنتها التي تبلغ من العمر 4 سنوات لكن شكلها يوحي أنها لم تتجاوز سنتين، تشرح المرأة حالة ابنتها وهي تحملها على ظهرها وسيل من اللعاب لا يتوقف من فم الصغيرة قائلة : " لم أنتبه أن ابنتي لا تتطور ولا تكبر إلا عند بلوغها عامين ، حيث تأخرت في النطق وكانت تقف بصعوبة ولا يزداد وزنها، ونظرا لكوني أقطن في دوار بعيد عن العاصمة ونظرا لضيق ذات اليد، ترددت كثيرا قبل أن أقصد المستشفى " حيث معندي ليه جهد" وبتوجيه من إحدى جاراتي " ديت الدرية زورتها حيث قالوا ليا تقدر تكون مشيرة" لكن دون جدوى، فقررت أن أبيع دملجي الذهبي قصد تأمين مصاريف التنقل والعلاج، تم إرشادي إلى " سبيطار موريزكو، قصدته أملا في علاج فلذة كبدي، لكنني فوجئت بالتسويف الذي طال ملف ابنتي وبتأجيل موعدها كل مرة بدعوى الاكتظاظ وعدم كفاية الأسرة، "لحاصول اللي معندو جهد هو هذا كلشي فهاد الصبيطار بالوجهيات والمعارف ".
في قسم المسالك البولية، التابع لنفس المستشفى وبمجرد أن تطأ قدمك إياه تنبعث منه رائحة كريهة تزكم الأنفاس لا يستطيع الزائر مقاومتها، جدران مهترئة تشكل مرتعا خصبا لكل أنواع الحشرات، مراحيض تمتزج فيها رائحة البول بحفاظات المرضى..أسرة متهالكة لم تعد تصلح لحمل تلك الأجساد المتعبة، التي تبتسم في وجه زائرها رغم مرارة الألم.
أما داخل قسم الأمراض التعفنية فتلك حكاية أخرى، لا تختلف في تفاصيلها عن سابقاتها إلا بجرعة الإهمال الزائدة التي يعاني منها مرضى هذا القسم، وجدنا ربيعة 35 سنة تلفظ أنفاسها الأخيرة في قاعة تابعة لنفس القسم، بعد أن علا جسدها المنهك صفرة واستحال إلى ركام من عظام ودموع الأهل تفيض حولها، استفسرنا الطبيب عن حالها، وطلبنا منه أن ينقلها إلى قسم الإنعاش ليخبرنا أن القسم ممتلئ عن آخره وأنه لم يتبق لها في الدنيا إلا دقائق معدودات.. تركنا المرأة تصارع مصيرها، وتوجهنا إلى القاعات المجاورة، وماهي إلا دقائق حتى فارقت فيها المرأة الحياة.
في قاعة باردة برودة الثلج ووسط جدران متآكلة وعلى أريكة متهالكة وبطانية رثة ترقد فاطمة في شبه موت أبدي، إذ لا يربطها بالحياة إلا تلك الأنابيب المثبتة على فمها وأنفها، وبجانبها حقنة السيروم، وبعض الأوراق الطبية الخاصة بحالتها، تعيش فاطمة وسط صمت رهيب، بعد أن تخر المرض جسدها، لوهلة خيل إلي أنها ميتة، لولا أنها حركت عينها بعد أن وضعت يدي على جبينها، وبينما أقرأ بعض أوراقها الطبية، دخلت امرأة هي أيضا من المرضى، فخاطبتني قائلة: " أنت ختها، ولا من عائلتها، مسكينة راها مريضة بزاف، ومن نهار جات للسبيطار ما كيجي عندها حتى واحد، ما عندهاش حتى باش تشري ليكوش..."
الداجينة والدوا الأحمر
من مفارقات التطبيب العمومي في المغرب دون غيره أنه وبعد أن عاش المغاربة لردح من الزمن تحت رحمة الداجينة والدواء الأحمر انتقلنا اليوم وبحمد الله إلى الحبة السحرية التي تصلح لعلاج كل الأمراض والأوبئة، فحسب سعيد 35 سنة، الذي كان يعاني من آلام ومغص حاد على مستوى البطن أنه توجه إلى أحد المستشفيات العمومية، قصد الكشف عن مرضه ومداواته، انتظر وصول دوره ليعاينه الطبيب أملا في التخفيف من ألمه لكن الغريب في الأمر يقول " عندما وصل دوري، نودي علي بإسمي توجهت إلى الطبيب جلست بمقابله، فأخذ يسألني " فين كيضرك، باش كتحس، أه تما مزيان، مزيان، غادي نعطيك واحد الحبة غادي غي تاخذها وتولي لا باس" استغرب سعيد لأمر هذا الطبيب الذي فحصه غير " بالشفوي" على حد قوله وأعطاه تلك الحبة مكمدة في منديل أبيض، أخذها سعيد ولم يتماثل إلى الشفاء إلا بعد أن قصد طبيبا مختصا..ليعلم أنه يعاني من تقرح معدي يستوجب وصفة طبية بمعايير ومقاييس مضبوطة، وليس إلا حسن التقدير.
هذه الحبة حسب عدد من المرضى تصلح لألم الرأس والعادة الشهرية وأيضا للإسهال، وغالبا ما يأخذونها مجانا من عند الطبيب الذي لا يكلف نفسه عناء حتى قياس ضغط المريض، حيث يشير عبد الرزاق أن المريض لا يملك إزاء هذا الوضع سوى التضرع إلا الله، وسؤاله العفو، إن واقع هذا الحال لا يختلف بكثير عن حالة الابتزاز التي يتعرض لها المواطن في تسويف ملفه الصحي، وأحيانا إقباره، بل ويزداد الأمر تعقيدا في حالة الرغبة في إجراء عملية قيصرية ، حيث يبدو من المستحيل أن تجري عملية في ظروفها الطبيعية إلا إذا " كان عندك الكود بيسطون"، هذا ما عبرت عنه لطيفة التي صادفناها وهي تهم بمغادرة المستشفى رفقة زوجها متحملة عناء السفر من مدينة خريبكة بغية إجراء عملية جراحية لزوجها في المثانة البولية لكونه " تحصر من البول" لتفاجئ بعد أن قامت بإجراء كل التحاليل والفحوصات التي طلبت منها بتأجيل موعد العملية بسبب غياب الطبيب المشرف على الحالة.
نفس المآل تعرض له عبد الفتاح الذي تأخر عن الموعد المحدد له لمعالجة ابنته التي لم تعد تستطيع النطق، وتم تحديد موعد لإجراء عملية جراحية لها على مستوى الحنجرة بصعوبة كبيرة يقول " بنتي كتضيع وهما كيقولو ليا سير حتى لشهر جوج، دريا تعقدات ومابقاتش باغا تمشي للمدرسة حيث كيضحكوا عليها، وأنا ماعندي ليها جهد باش نديها لسبيطار الفلوس" مؤكدا أنه لو كان يعرف بعض الأصدقاء أو المعارف داخل المستشفى لتمكن من إجراء العملية لابنته ودون هذه التعقيدات.
هي حالات ومشاهد صادمة ومثيرة للشفقة لمرضى توزعوا بين قسوة الحياة وألم المرض وتكاليف الأدوية والعلاج ، فمتى ينعم المريض بكرامته ويستفيد من العلاج دون تسويف ولا مماطلة أو ابتزاز. ومن سيخرج الصحة من الكومة التي طالت مدتها؟
هل نتقدم أم نتقهقر...؟
رسالة من ابن لأبيه يصف له ما عاشه في إحدى المستشفيات التي كانت تبنى قبل ألف سنة في كل المدن العربية.
أبتي الحبيب،
تسألني إن كنت بحاجة إلى نقود ! فأخبرك بأني عندما أخرج من المستشفى، سأحصل على لباس جديد وخمس قطع ذهبية حتى لا أضطر إلى العمل حال خروجي مباشرة، فلست بحاجة إلى أن تبيع بعض ماشيتك ! ولكن عليك الإسراع في المجيء إذا أردت أن تلقاني هنا. إني الآن في قسم "الأورتوبادي" "orthopadie" بقرب قاعة الجراحة. وعندما تدخل من البوابة الكبيرة، تعبر القاعة الخارجية الجنوبية وهي مركز "البوليكلينيك" حيث أخذوني بعد سقوطي، وحيث يذهب كل مريض أول ما يذهب لكي يعاينه الأطباء المساعدون وطلبة الطب. ومن لا يحتاج منهم إلى معالجة دائمة في المستشفى تعطى له وصفته فيحصل بموجبها على الدواء من صيدلية الدار.
وأما أنا فلقد سجلوا اسمي هناك بعد المعاينة وعرضوني على رئيس الأطباء. ثم حملني ممرض إلى قسم الرجال، فحممني حماما ساخنا وألبسني ثيابا نظيفة من المستشفى. وحينما تصل ترى إلى يسارك مكتبة ضخمة وقاعة كبيرة حيث يحاضر الرئيس في طلابه . و إذا نظرت وراءك يقع نظرك على ممر يؤدي إلى قسم النساء .ولذلك عليك أن تظل سائرا نحو اليمين ، فتمر بالقسم الداخلي والقسم الجراحي مرورا عابرا ... وإذا سمعت موسيقى أو غناء ينبعثان من قاعة ما، فادخلها ، فلربما كنت هناك في قاعة" النقة" حيث تشنف آذاننا الموسيقى الجميلة ونمضي الوقت بالمطالعة المفيدة ...
واليوم صباحا جاء ، كالعادة رئيس الأطباء مع رهط كبير من معاونيه . ولما فحصني، أملى على طبيب القسم شيئا لم أفهمه. وبعد ذهابه أوضح لي الطبيب، أنه بإمكاني النهوض صباحا وبوسعي الخروج قريبا من المستشفى صحيح الجسم معافى. وأني والله لكاره هذا الأمر ! فكل شيء هنا جميل للغاية ونظيف جدا: الأسرة وثيرة وأغطيتها من الدمقس الأبيض والملاء بغاية النعومة والبياض كالحرير، وفي كل غرفة من غرف المستشفى تجد الماء جاريا فيها على أشهى ما يكون. وفي الليالي القارسة تدفأ كل الغرف. وأما الطعام فحدث عنه ولا حرج !! فهناك الدجاج أو لحم الماشية يقدم يوميا لكل من بوسعه أن يهضمه.
لذلك " تعالى يا أبتي وأسرع بالمجيء قبل أن تحمر دجاجتي الأخيرة "
الرسالة مأخوذة من كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب" للمستشرقة الألمانية "زيغريد هونكه"