
خالد أشيبان - من بين تناقضات بلدنا الحبيب أن كل شيء مكتوب على الورق، ولا شيء موجود في الواقع. فلو قرأت الفصول العشرينية في الدستور مثلا، ستجدها تتحدث عن ضمان الدولة للمواطنين لجميع الحقوق التي يمكن أن تتخيلها، لكن بمجرد خروجك للشارع ستكتشف بأن كل ما قرأت هو مجرد حبر على ورق. فالمغاربة لا يتمتعون إلا بحقهم في الحياة، أما باقي الحقوق ف »نتا وزهرك ».
فلو شاءت الأقدار أن تولد في مدينة كالرباط أو الدار البيضاء أو مراكش أو طنجة أو وجدة أو إحدى المدن الكبرى، فستجد مقعداً في المدرسة، وممرضاً وطبيبا في المستشفى، وشقة أو غرفة على الأقل تأويك أنت وعائلتك، وعملاً يعفيك من التسول. وهذه كلها أشياء تخرجك فقط من بدائية العيش وتعطيك ذرة من التحضر.
لكن لو شاءت الأقدار أن تولد في إحدى شبه مدن المغرب العميق أو قراه، فتوقَع الأسوأ. فلا شيء مضمون، ولا حق من الحقوق محفوظ. لأنك إن وجدت مدرسة على بعد كيلومترات، فلن تجد مستشفى. وإن وجدت منزلاً، فلن تجد طريقاً. وإن وجدت ماءً، فلن تجد كهرباءً. وإن وجدت شغلاً، فلن تجد كرامةً.
ولو قرأت المذكرات التقديمية لقوانين المالية لهذا البلد في العشرية الأخيرة، ستجد أن جميع الحكومات التي تعاقبت على تسيير الشأن العام في هذا البلد، منذ جلوس الملك محمد السادس على العرش، تحدثت عن التنمية كأولوية من الأولويات. لكن، هل حققنا الهدف الذي حدَدناه ؟
لقد تم تحقيق الكثير من الأشياء، وتم تغيير الكثير من الأشياء. لكن كل ما تحقق يبقى غير كافي، لأنه ما زال في هذا البلد أناس يعيشون عيشة العهد الحجري، معزولون عن العالم ولا يعرف المغاربة عن أحوالهم أي شيء، بينما يتمتع آخرون في النعيم، ويستفيدون من جميع أنواع الريع دون بذل أدنى مجهود.
عن أي تنمية نتحدث إذا كان أقصى ما نطمح إليه هو أن يجد كل طفل مغربي مقعداً في المدرسة، ولم نتحدث بعد عن ما نلقنه إياه على ذلك المقعد ؟
عن أي تنمية نتحدث إذا كان أقصى ما نطمح إليه هو تعميم التغطية الصحية وبطاقات الراميد، ونحن نعلم أن التجهيزات الطبية غير متوفرة والأطر الطبية غير كافية، فماذا ستبدل بطاقة الراميد هذه ؟
عن أي تنمية نتحدث إذا كنا غير قادرين على توفير نقل في المستوى بين العاصمة وضواحيها وبين البيضاء وضواحيها ؟
عن أي تنمية نتحدث إذا كان المغربي غير قادر على التحرك في بلاده واكتشافها لأن النقل غير متوفر، ولأنه لن يجد فندقاً في المغرب العميق يقضي فيه ليلته مع أنه قادر على أداء ثمن الخدمة ؟
عن أي تنمية نتحدث إذا كان المغربي المتوسط الدخل يقضي حياته كاملةً يفكر فقط في الحصول على سيارة وشقة ودفع فوائد المؤسسة البنكية التي تحلب دخله كالبقر ؟
عن أي تنمية نتحدث إذا كان الشاب المغربي عاجز عن الحلم، لأنه إن وجد فكرة فلن يجد تمويلا، وإن وجد تمويلا فلن يجد تأطيرا، وإن أفلس فمصيره السجن، وكأن الدولة تعاقبه على حلمه ؟
نعم، لقد حققنا الكثير من المنجزات في العشر سنوات الماضية، لكننا لم نعطي ما يكفي من الأهمية لأهم شيء في هذا البلد وهو « الإنسان ». نعم، فكَرنا في العمران والبنيان ولم نفكر في الإنسان. وتنمية الإنسان هي الأساس.
لن تكفي المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لوحدها لحل المشكل، لأن المشكل هو مشكل دولة بأكملها من شمالها إلا جنوبها، ومن شرقها حتى غربها. لن تتحقق التنمية مادام القرار في الرباط، ومازال مستقبل قرية بسيطة في المغرب العميق، تعاني من العزلة بسبب الثلوج، ينتظر توقيعا داخل أحد المكاتب المكيَفة بالعاصمة الرباط.
يجب أن يتحمل الجميع في هذا البلد مسؤوليته، وكما جعل الملك محمد السادس في خطابه الأخير من قضية الصحراء قضية أمة بأكملها وليست قضية ملك لوحده، يجب أن تصبح معركة التنمية معركة شعب بأكمله وليست معركة ملك لوحده.
ننتظر إذا جهويتكم الموسعة، وإلى أن تخرجوا بقوانينها التنظيمية سنجيب على تنميتكم ب « لاواه الزعتر ».