يكاد يعتصرني الألم، و أنا أشاهد إحدى حلقات برنامج «قصة الناس»، الذي يبث على قناة ميدي 1 و التي تناولت موضوع الفقر. الأمر لا يتعلق بحكايات شهرزاد وألف ليلة و ليلة بل بليال و أيام طوال من المعاناة و الفقر و الجوع... نعم، الجوع في بلد الفوسفاط و الخيرات و الثروة السمكية!.
نعم هناك من يعيش على الهامش و لا شأن له لا بسياسة و لا بممتهنيها و لا يستمع لقفشات رئيس الحكومة لأنه ببساطة لا يمتلك تلفازا! و لا يفقهون معنى دستور أو قانون المالية أو برنامج حكومي أو مخططات خماسية أو أغلبية أو معارضة، و لا علم لهم بفشل حكومة و تعيين حكومة جديدة، و لا يعرفون أسماء الوزراء المبجلين!.
ما يهم هؤلاء هو أن يجدوا ما يسد جوعهم، و أن يجدوا ثمن الدواء عندما يلم بهم المرض، أقصى أحلامهم -كما قالت مقدمة البرنامج بمرارة- هو كسرة الخبز أو ما نصطلح عليه نحن المغاربة «بطرف الخبز»!. نعم هذا هو مغرب 2013 بدون مكياج، بدون شعارات فضفاضة، وما خفي كان أعظم. إنه واقع مر كالعلقم و الذي تحاول الدولة عبثا أن تخفيه و تزينه عبر إعلام فاسد و إحصائيات مزورة.
إننا كمن يحاول أن يدفن رأسه في الرمل كالنعامة! فبلدنا الحبيب و أسفاه يعاني من البطالة القاتلة والفقر والجهل والأمية والتهميش و أمراض اجتماعية خطيرة، و يحتل المراتب الأولى في إنتاج و تصدير المخدرات، و يعد الوجهة المفضلة لمن يبحثون عن المتعة بكل ألوانها حتى أصبحت سمعة المغرب تسبقه في كل بلد...
«واش ما منحقيش نعَيَّدْ بحال الناس» هكذا تتساءل إحدى السيدات اللواتي أبين إلا أن يصفن بعضا من صور معاناتهن اليومية مع الحياة، كلماتهن جعلتني أختنق و أتيه وسط فوضى من الإحساسات الغريبة و المتناقضة أحيانا، و وجدت نفسي مشدوهة و الكلمات تهرب مني من هول و بشاعة ما سمعت!.
«ما عايشنش يقتلونا أحسن» تقول ضاحكة و قد أعيتها الحياة، و صراعها اليومي المستميت من اجل البقاء قد أحالها إلى لَبؤة ثكلى بالجراح!. إنها تطلب رصاصة الرحمة لتستريح من نضال شرس في ما يشبه استسلاما مؤلما للواقع.
أصعب إحساس أن يقتل فيك الأمل، أن تعيش فقط كي تعيش، أن لا تحلم بالغد و بالمستقبل... هذا ما يحدث في وطننا!. شباب في عمر الزهور ينتحر في قوارب الموت، يخدر نفسه كي ينسى واقعه الكئيب، شباب حارب كي يتعلم و يرتقي بمستواه، فوجد نفسه يحتج في شوارع العاصمة و ينكل به و يعتقل تعسفيا، و تكون «الزرواطة» هي الحل في بلد يدعي احترامه لحقوق الإنسان و نال مؤخرا عضوية مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة.
هذا الشعب لا يطلب منكم غير حقوقه المشروعة، غير كرامته الضائعة، إنه لا يستجدي منكم شيئا فقط يريد أن يتمتع بوطنيته كاملة دون نقصان فالوطنية لا تتجزأ، إذا كانت البطاقة الوطنية لا تفرق بين مواطني هذا البلد، ففي الواقع، هناك مواطن من الدرجة الأولى و مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة!.
إنها صرخة مكتومة لمغاربة يعيشون تحت الأرض لا يطلبون الكثير إلا أن يعيشوا بكرامة، صرخة ستظل للأسف حبيسة الجدران، لأن هذا الوطن لا يسمع لأنين و صرخات أبنائه!.
خديجة الحمري
